بورصة الدار البيضاء تستعيد وهجها: موجة اكتتابات قياسية وجمهور يعيد تشكيل مشهد الاستثمار الوطني
تشهد بورصة الدار البيضاء منذ سنوات طفرة غير مسبوقة تعيد إليها دورها التاريخي كأحد أهم محركات تمويل الاقتصاد الوطني. فبعد فترة طويلة من الركود، عاد سوق الاكتتابات ليستقطب شركات من أحجام وقطاعات مختلفة، ويجذب جمهوراً واسعاً من المستثمرين الأفراد، ما أحدث دينامية جديدة قد ترسم ملامح مرحلة مالية أكثر نضجاً في المغرب.
خمس سنوات من الزخم: إدراجات تعيد تشكيل السوق
وخلال هذه الفترة، تمكنت هذه الشركات من تعبئة ما يقارب خمسة مليارات درهم، في مؤشر على عودة الثقة في سوق الرساميل كرافعة أساسية لتمويل النمو.
هذا الزخم يمثل تحوّلاً عميقاً، حيث لم تعد الإدراجات حكراً على المجموعات الكبرى، بل أصبحت تشمل شركات متوسطة الحجم، تقف خلف عدد منها صناديق الاستثمار في رأس المال التنموي. وقد ساهم هذا التطور في جعل البورصة محطة تمويلية طبيعية ضمن دورة حياة الشركة المغربية الحديثة.
| طفرة تاريخية في بورصة الدار البيضاء موجة اكتتابات قياسية تعيد تشكيل الاستثمار في المغرب |
منظومة جديدة تدفع نحو السوق المالية
من ركود طويل إلى عودة قوية
فخلال الفترة الممتدة بين 2010 و2019، سُجلت أربع عمليات فقط في عشر سنوات وسط مستويات سيولة ضعيفة. لكن منذ 2020، استطاعت السلطات المالية إحياء هذا السوق من خلال إصلاحات هيكلية، في وقت ظهر جيل جديد من المسيرين ينظرون إلى الإدراج كفرصة للتمويل والحوكمة وليس مجرد تعقيد إداري.
إقبال شعبي غير مسبوق: اكتتابات تتحول إلى حدث وطني
من أبرز ملامح الموجة الأخيرة عودة المستثمر الفرد المغربي بقوة إلى سوق الأسهم:
- Vicenne: أكثر من 37 ألف مكتتب
- CMGP: أكثر من 33 ألف مكتتب
- Cash Plus: رقم قياسي بلغ 81 ألف مكتتب، وهو الأعلى في تاريخ السوق المغربية
كما سجلت معدلات تغطية استثنائية بلغت:
- 64 مرة بالنسبة لـ Vicenne
- 37 مرة بالنسبة لـ CMGP
هذا الإقبال الكبير يعكس بوضوح ارتفاع الوعي المالي، وسهولة الاكتتاب بفضل الرقمنة، إلى جانب التغطية الإعلامية الواسعة التي رافقت هذه العمليات.
وتؤكد شركات الوساطة أن الطلب المتزايد على فتح الحسابات، خصوصاً من طرف الشباب الحضري منذ نهاية 2023، جعل من الاكتتابات لحظات تعليم مالي جماعي تعيد ربط الأسر المغربية بثقافة الاستثمار.
سوق يعكس الاقتصاد الوطني الحقيقي
تُظهر الإدراجات الجديدة تحولاً في صورة البورصة، حيث أصبحت تمثل قطاعات مرتبطة مباشرة بالتحديات الاستراتيجية للمغرب، مثل:
- البناء والأشغال الكبرى
- الصحة
- الزراعة والصناعات الغذائية
- الخدمات المالية
وهذا تنويع مهم، يقطع مع سنوات كانت فيها السوق متركزة حول البنوك والعقار والاتصالات.
كما باتت زيادات رأس المال أكثر حضوراً من عمليات بيع الأسهم، ما يعبر عن رغبة الشركات في تمويل التوسع بدلاً من تحقيق أرباح فورية للمساهمين. وتحسنت جودة التحضير للإدراجات من حيث الحوكمة والتدقيق والتواصل المالي بفضل إصلاحات AMMC وبورصة الدار البيضاء.
وفي الجانب الآخر، بدأ السوق البديل للمقاولات الصغيرة والمتوسطة يكشف عن إمكاناته، مع تجربة Disty Technologies التي أثبتت نجاح نموذج إدراج مبسط وموجه لهذا النوع من الشركات.
تحديات قادمة: من لحظة استثنائية إلى دينامية دائمة
ويرى الخبراء أن التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة هو تحويل الاهتمام الحالي إلى مشاركة مستدامة، عبر:
- تبسيط المعلومات الموجهة للمستثمرين الأفراد
- اعتماد سياسات توزيعات أرباح واضحة
- تعزيز دور شركات الوساطة في مرافقة الشركات ما بعد الإدراج
وهو ما من شأنه أن يدعم بروز سوق مالية أكثر قوة وشفافية وقدرة على تمويل الطموح الاقتصادي للمغرب.